جاء دستور 2011 استجابة لنبض الشارع والتفاعل الإيجابي مع الشعارات الشعبية التي اثتت الفضاءات والساحات العمومية.
من أبرز هذه المطالب تلك المتعلقة بالكرامة والعدالة الاجتماعية والحق في الصحة والشغل وحرية التعبير….
فكان لأول مرة منذ دستور 1962 دسترة الحق في الصحة والعلاج وتخصيص الفصل 31 من الباب الثاني : الحريات والحقوق الأساسية، لصون هذا الحق وحمايته القانونية بأسمى وثيقة في الهرم القانوني المغربي.
غير أن ربط هذا الحق الأساسي بعبارات فضفاضة( تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة ) وعدم تقوية هذا الحق الدستوري بمزيد من الوسائل والاجراءات المناسبة، افقده قوته وعرضه للضعف ولم يرق الى ما كان يصبو إليه الشارع.
خاصة أن هذا الحق رهين بتوفير الوسائل المتاحة( المادية – البشرية – لوجيستيكية – البنيات التحتية….) وفي حالة عدم توفر هذه الوسائل فإن هذا الحق معرض للإتلاف.
هذا الأمر يرمي بكلكله بالدرجة الاولى على مقدم العلاجات بالقطاع الصحي وعلى المواطنين.
انجزت دراسة مغربية بالمركز الاشتشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش حول العنف ضد الموظفين فكان من نتائجها أن 76 %
من العاملين تعرضوا للعنف اللفظي من طرف المرتفقين، و 51,6 % منهم للعنف الجسدي،
هذا الاحتقان نتيجة حتمية للوضع المزري الذي يعيشه العرض الصحي بالمغرب وهساشة بنياته التحتية والنقص الحاد في الموارد البشرية، بالاضافة للفراغ القانوني المنظم للمهن، ناهيك على الضغط الذي تمارسه الماكينة الإعلامية ومواقع التشهير على العاملين بالقطاع الصحي.
كل هذا رفقة ظاهرة المتابعات القانونية و القضائية للعاملين بالقطاع الصحي ، ولد مابات يعرف بالولايات المتحدة الأمريكية ب ” الطب الدفاعي ” ، بحيث يصبح هم الطبيب هو تجنب المتابعة لذلك يبالغ في طلب الاجراءات الطبية غير الضرورية تحسبا لأي شكاية من المريض.
وعلى جانب آخر ولضمان استمرارية المرفق العمومي ومواصلة تقديم العلاجات، فإن وزارة الصحة اهتدت الى عدد من الاجراءات واللوائح التنظمية، لم تزد العرض الصحي الا ضعفا وتشويها ، و مقدم العلاجات الا احترقا وتعريضه للمساءلة القضائية بفعل عدم مطابقة النصوص القانونية للواقع اليومي وكذا تضارب التعليمات الادارية مع مقتضيات القانون المغربي.
تكفي الإشارة إلى نظام الحراسة الإلزامية وما خلفته من ضحايا ومشاكل، نظرا لقصورها ومحدوديتها في ضمان الحق في الصحة و العلاج، فالحالات المستعجلة او الولادات لا يمكن أن تنتظر قدوم مقدم العلاجات من بيته للقيام بالازم، سيما ان المشرع فرض على العامل التواجد بنفوذ الاقليم فترة الحراسة الإلزامية ولم يلزمه بالتواجد الفعلي بمقر العمل ، لنتساءل عن مدى جدية هاته القرارات لحفظ صحة المواطنين وتفويتها لفرص العلاج ؟
لعل قضية وفاة المرأة الحامل وجنينها بالعرائش 2019 نتيجة عدم تواجد الطبيب الذي يشتغل وفق نظام الحراسة الإلزامية خير مثال لهذا الاستهتار بأرواح المواطنين والمواطنات.
ومن نافل التذكير ان غياب مصنف الكفاءات ولوائح الأعمال الخاصة بكل فئة، يجعل الباب مفتوحا لتنازع الإختصاص بين المهن الصحية، ويعرض العاملين للسؤال والمتابعة القضائية.
” فعدد كبير من الأخطاء الطبية والتمريضية يمكن تجنبها من خلال وضع تشريعات مؤطرة لكل مهنة على حدى وفق تكوينها وتخصصها، فالتداخل في الاختصاص يمس حق المريض ويعرض المهني للمساءلة. و الملاحظ كذلك أن عدم توفير الظروف الملائمة للعمل يعد من مسببات وقوع الأخطاء بل إنها من الآليات الأساسية لضمان سلامة المرضى قبل سلامة المهني ” المسؤولية الطبية و التمريضية. م / ج ص 77 .
ان ضمان الحق في الصحة و العلاج مرهون بتوفير الوسائل الضرورية للعاملين بالقطاع الصحي لأجل صون هذا الحق وتجويد الخدمات المقدمة له ، أما في ظل الوضع الحالي وما يعتمله من نقص حاد في الوسائل فمن الصعب جدا ضمان الحق في الصحة والعلاجات بالمستويات التي يتشوف إليها المجتمع المغربي .
بقلم: دحاني بوعزة.

