بقلم: حبيل رشيد.
في سياق التحولات التي تعرفها المنظومة التعليمية بالمغرب، يبرز تعيين السيد كمال الهشومي وزيرا منتدبا مكلفا بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، باعتباره بادرة مؤسساتية تستحق التوقف عند دلالاتها التربوية والإصلاحية، بالنظر إلى ما تطرحه المرحلة من رهانات تتصل بتجويد التدبير، وترسيخ الحكامة التعليمية، وتحسين مردودية المرفق التربوي، والارتقاء بجودة التعلمات. فإسناد هذين الملفين إلى مسؤول ذي تكوين أكاديمي وتجربة إدارية ومؤسساتية يفتح المجال أمام تعزيز التنسيق، وترشيد الموارد، وتطوير آليات التتبع والتقويم، بما يجعل الإصلاح أقرب إلى حاجات المتعلمين وانتظارات الأسر. فجوهر المسؤولية التعليمية أن تتحول القرارات إلى نتائج، والتوجهات إلى إنجازات، والبرامج إلى أثر ملموس داخل المدرسة.
ويكتسي هذا التعيين أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المهام المسندة إلى السيد كمال الهشومي، إذ يتعلق الأمر بورشين متلازمين في بناء المسار الدراسي؛ أولهما التعليم الأولي، باعتباره المدخل الأساسي لتنمية القدرات المعرفية واللغوية والاجتماعية لدى الطفل، وثانيهما محاربة الهدر المدرسي، بوصفها مسؤولية تربوية واجتماعية ومؤسساتية تستدعي حماية حق المتعلم في الاستمرار والتحصيل. ومن ثم، فإن الجمع بين الملفين يتيح إمكان بناء تصور متكامل يربط بين الوقاية المبكرة من التعثر، وتوسيع فرص التمدرس، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، والحد من الفوارق المجالية والاجتماعية. فالمدرسة المنصفة تبدأ من عدالة الولوج، وتستمر بإنصاف التعلم، وتكتمل بصيانة حق الجميع في النجاح.
ويستند السيد كمال الهشومي إلى مسار أكاديمي ومهني يجمع بين التكوين في القانون العام والاشتغال الجامعي، وبين تجربة التدبير الإداري والعمل المؤسساتي. فقد حصل على الدكتوراه في القانون العام سنة 2012، واشتغل أستاذا باحثا في مجال القانون الدستوري والعلوم السياسية، كما راكم خبرة في المسؤوليات الإدارية المرتبطة بتدبير الموارد البشرية والميزانية والشؤون العامة، فضلا عن تجربته داخل المؤسسة التشريعية. وتمنح هذه الخلفية إمكانات مهمة لفهم آليات اشتغال الإدارة، واستيعاب تعقيدات القرار العمومي، وتطوير التنسيق بين مختلف المتدخلين، وهي عناصر تكتسي أهمية بالغة في تدبير قطاع تتعدد مسؤولياته وتتداخل رهاناته. فالتكوين يمنح الرؤية، والتجربة تصقل أدوات العمل، والإنجاز هو المعيار الذي يحدد قيمة المسؤولية.
وعلى مستوى التعليم الأولي، تبرز أمام الوزير المنتدب مهمة مواصلة الجهود الرامية إلى توسيع العرض التربوي، بالتوازي مع تحسين جودته والارتقاء بمضامينه وأساليب تقديمه. ويتطلب ذلك تعزيز تأهيل المربين، وتطوير التكوين المستمر، وتحسين ظروف استقبال الأطفال، وتوفير التجهيزات الضرورية، وضمان توزيع أكثر توازنا للمؤسسات بين المدن والقرى والمناطق التي تواجه خصاصا في الخدمات التعليمية. كما تقتضي الحكامة الجيدة إحكام تدبير الموارد المالية والبشرية، وربط الاعتمادات المخصصة للبرامج بمردوديتها، وإرساء معايير واضحة لتقييم الأداء، بما يضمن الانتقال من التوسع الكمي إلى التحسن النوعي. فنجاح التعليم الأولي يقاس بما يزرعه في الطفل من قدرات، وما يهيئه له من فرص، وما يؤسسه من استعداد للتعلم مدى الحياة.
أما محاربة الهدر المدرسي، فتفرض اعتماد مقاربة وقائية واستباقية تتجاوز معالجة الانقطاع بعد وقوعه، لتشمل رصد علاماته الأولى، وتشخيص أسبابه، وتوفير شروط المواكبة والدعم. فالتعثر الدراسي، والهشاشة الاجتماعية، وبعد المؤسسات التعليمية، وضعف المواكبة الأسرية، وصعوبات الاندماج داخل المحيط المدرسي، عوامل تستدعي تدخلا منسقا بين الإدارة التربوية والأسر والجماعات الترابية والقطاعات المعنية. ومن هنا، تبرز أهمية تقوية خلايا اليقظة، وتطوير آليات الإنصات والتوجيه، وتعزيز الدعم التربوي والاجتماعي، وتوجيه الجهود نحو الفئات والمناطق الأكثر عرضة للانقطاع، وفق معايير الإنصاف والعدالة المجالية. فكل مقعد دراسي يُصان من الهدر هو فرصة تُحمى، ومستقبل يُصان، واستثمار مجتمعي تتعزز قيمته.
وتظل الحكامة التعليمية ركيزة مركزية في إنجاح هذه الأوراش، بما تتضمنه من وضوح في الاختصاصات، وتحديد للمسؤوليات، وترشيد للنفقات، وشفافية في التدبير، وربط للمحاسبة بالنتائج. كما أن تطوير الإدارة التربوية يقتضي تبسيط الإجراءات، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين تداول المعلومات، وتعزيز التنسيق بين الإدارة المركزية والأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية. ويستدعي ذلك اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس التقدم، وتقييم دوري للبرامج، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب، حتى تصبح القرارات أكثر استجابة للواقع وأكثر قدرة على تحقيق الأهداف المعلنة. فالحكامة الرشيدة تُبنى بحسن التخطيط، وتُختبر بجودة التنفيذ، وتُثبتها النتائج القابلة للقياس.
إن السيد كمال الهشومي أمام مسؤولية تتيح له الإسهام في تجديد التدبير التربوي، وترسيخ ثقافة العمل القائم على النجاعة والاستحقاق، وتعزيز الالتقائية بين مختلف المتدخلين، مع جعل مصلحة المتعلم محور القرار والإصلاح. وستظل قيمة هذه التجربة مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل المؤهلات والخبرات إلى تدابير عملية، وتقوية الثقة في المدرسة العمومية، وتحسين جودة التعلمات، والحد من الانقطاع الدراسي، وتوسيع فرص النجاح أمام الأطفال على اختلاف أوضاعهم الاجتماعية والمجالية.
وبذلك، يشكل هذا التعيين بادرة إيجابية تتيح فرصة جديدة لتعزيز الحكامة في التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، في انتظار ما ستكشف عنه الممارسة من نتائج ومكتسبات. فالإصلاح التربوي مسؤولية ممتدة تتطلب نفسا طويلا، وتدبيرا متبصرا، وتقييما مستمرا، وإرادة مؤسساتية قادرة على تحويل الطموحات إلى واقع. فالمعيار الأسمى للمسؤولية التعليمية أن تصبح المدرسة أكثر إنصافا، والإدارة أكثر نجاعة، والتعلم أكثر جودة، والمستقبل أوسع أمام الأجيال الصاعدة.

