بقلم:حبيل رشيد.
لم يعد تقييم المنظومة القضائية مرتبطاً فقط بعدد المحاكم وتوزيع اختصاصاتها وتعدد درجات التقاضي، وإنما أصبح يقاس، بدرجة أكبر، بمدى قدرة هذه المنظومة على ضمان الولوج الفعلي إلى العدالة، وصيانة حقوق الدفاع، وتحقيق المحاكمة العادلة، والفصل في المنازعات داخل أجل معقول، وتمكين الأطراف من استعمال طرق الطعن ومباشرة الحقوق المخولة لهم قانوناً. فالمتقاضي يوجد في صلب العملية القضائية، باعتباره صاحب مصلحة قانونية مشروعة في عرض نزاعه على جهة قضائية مستقلة ومحايدة، والحصول على حكم معلل يصدر وفق القانون وفي إطار احترام الضمانات الإجرائية والموضوعية المقررة.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من التطور التاريخي الذي عرفه التنظيم القضائي بالمغرب. فقد عرف النظام القضائي، قبل فرض الحماية، تعدداً في الجهات والمحاكم، من بينها المحاكم الشرعية ومحاكم الولاة والمحاكم العبرية والمحاكم القنصلية الخاصة برعايا الدول الأجنبية. ومع نظام الحماية ازدادت مظاهر التعدد والازدواجية، وتوزعت الجهات القضائية بين القضاء الشرعي والمخزني والعبري والعرفي والعصري، وفق اختصاصات ومراجع قانونية مختلفة. وبالتالي، فإن توحيد القضاء بعد الاستقلال، ثم مغربته وتعريبه، لم يكن مجرد إجراء إداري لإعادة ترتيب المحاكم، وإنما كان جزءاً من مسار بناء الدولة الوطنية وتوحيد المرجعية القضائية وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي ليؤطر البناء المؤسساتي للقضاء ويحدد المبادئ والقواعد التي تحكم تنظيم المحاكم واختصاصاتها وعلاقاتها بمختلف مكونات المنظومة القضائية. غير أن أهمية هذا القانون لا تختزل في الجانب الهيكلي أو التنظيمي، وإنما تمتد إلى الضمانات المرتبطة بالمتقاضي، خصوصاً من خلال المواد 35 إلى 38، التي تؤسس لمجموعة من المبادئ المتصلة باستقلال القضاء، وولوج المحاكم، وحسن سير العدالة، وحقوق الدفاع، والأجل المعقول، وطرق الطعن، والتعويض عن الخطأ القضائي.
وتبدأ ضمانات المتقاضي من استقلال القاضي وتجرده ونزاهته. فاستقلال السلطة القضائية لا يمثل امتيازاً مهنياً لفائدة القاضي، وإنما يشكل ضمانة دستورية وقانونية لحماية حقوق المتقاضين وضمان المساواة بينهم أمام القضاء. والقاضي المستقل هو الذي يمارس وظيفته القضائية بعيداً عن كل تأثير أو ضغط أو تدخل، ويبت في النزاع استناداً إلى القانون ووفق ما يعرض عليه من حجج ودفوع ووسائل إثبات. كما أن التجرد والنزاهة يشكلان شرطين أساسيين لضمان الحياد القضائي ومنع تضارب المصالح وصيانة الثقة في الأحكام والمقررات القضائية.
ومن هذه الزاوية، فإن الإخلال بواجب الاستقلال والتجرد لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مخالفة ذات طبيعة مهنية محدودة، لأن أثره يتجاوز الوضعية الفردية للقاضي إلى سلامة العملية القضائية برمتها. ولذلك يرتبط احترام هذه المبادئ بالمسؤولية المهنية والتأديبية، مع مراعاة الحدود التي تفصل بين مساءلة القاضي عن السلوك المخالف لواجباته وبين حمايته من المساءلة عن مجرد اجتهاده في تفسير القانون وتطبيقه، ما دام قد مارس وظيفته في إطار الاختصاصات المخولة له وبحسن نية.
وتتصل الضمانة الثانية بولوج المحاكم. فقد جعل القانون من تيسير الولوج إلى القضاء أحد مرتكزات التنظيم القضائي، مع إيلاء عناية خاصة للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يقتضي تهيئة المرافق القضائية وتيسير استعمالها وتمكين جميع الفئات من الاستفادة من خدمات العدالة وفق مبدأ المساواة. كما يرتبط الولوج إلى القضاء بالحق في الحصول على المعلومة القضائية في الحدود التي يسمح بها القانون، وهو ما يفسر إسناد مهمة التواصل الرسمي بشأن نشاط المحكمة إلى المسؤول القضائي المختص أو من ينوب عنه، بما يساهم في تنظيم العلاقة بين المؤسسة القضائية والرأي العام، ويحافظ في الوقت ذاته على مقتضيات استقلال القضاء وسرية بعض الإجراءات والملفات.
أما المادة 37، فتتضمن مجموعة من المبادئ ذات الصلة المباشرة بممارسة حق التقاضي. فممارسة هذا الحق ينبغي أن تتم بحسن نية، وألا تتحول الدعوى أو وسائل الدفاع أو إجراءات الطعن إلى وسيلة لتعطيل حسن سير العدالة أو الإضرار بالطرف الآخر. ويترتب عن ذلك أن حق اللجوء إلى القضاء، على أهميته الدستورية والقانونية، يقترن بمسؤولية إجرائية تفرض على الأطراف استعمال حقوقهم في الحدود التي رسمها القانون، وتمنع التعسف في استعمال المساطر والإجراءات.
وفي المقابل، تفرض هذه المادة على أجهزة العدالة تطبيق المساطر وتنفيذ الإجراءات وفق شروط المحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع في مختلف مراحل الدعوى، مع الحرص على البت في القضايا وإصدار الأحكام داخل أجل معقول. وهذه القاعدة تكتسي أهمية خاصة، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد صدور حكم مستوفٍ للشروط الشكلية والموضوعية، وإنما تتطلب كذلك احترام عنصر الزمن القضائي. فالتأخير غير المبرر في الفصل في المنازعات قد يؤثر في المركز القانوني للمتقاضي، ويزيد من كلفة النزاع، ويضعف الفعالية العملية للحماية القضائية.
وقد عزز قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 هذه التوجهات من خلال تكريس عدد من المبادئ المتعلقة بحسن سير العدالة وممارسة الحقوق الإجرائية، فضلاً عن إقرار إمكانية المطالبة بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، سواء في إطار الدعوى نفسها أو عن طريق دعوى مستقلة وفق الشروط القانونية. ويعكس هذا المقتضى انتقال التشريع من مجرد الاعتراف بالحق في التقاضي إلى تنظيم المسؤولية الناجمة عن إساءة استعمال هذا الحق.
وفي المجال الجنائي، كرّس القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية مجموعة من المبادئ المرتبطة بالمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها المساواة أمام القانون، وقرينة البراءة، والبت داخل أجل معقول، وتفسير الشك لفائدة المتهم. وبذلك تتقاطع مقتضيات التنظيم القضائي مع قواعد المسطرة المدنية والجنائية ضمن منظومة تشريعية تتجه إلى تعزيز الضمانات الإجرائية والموضوعية المرتبطة بالعدالة.
وتأتي المادة 38 لتقرر ضمانات إضافية تتمثل في طرق الطعن والتعويض عن الخطأ القضائي. فالحكم القضائي، رغم صدوره عن جهة قضائية مختصة، قد يكون محلاً للمراجعة وفق الطرق والآجال والشروط التي يحددها القانون. ويشكل التقاضي على درجتين إحدى أهم ضمانات تصحيح الأخطاء المحتملة في الأحكام، من خلال تمكين الطرف المتضرر من عرض النزاع على جهة قضائية أعلى في الحدود التي يسمح بها القانون.
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين محكمة الاستئناف ومحكمة النقض. فمحكمة الاستئناف تنظر، وفق اختصاصاتها القانونية، في النزاع من جديد في حدود ما يسمح به القانون، بينما تضطلع محكمة النقض بوظيفة الرقابة على تطبيق القانون وتأويله وصحة القواعد القانونية والإجرائية التي بني عليها القرار المطعون فيه، دون أن تتحول إلى درجة ثالثة للتقاضي تعيد مناقشة الوقائع على النحو الذي تمارسه محاكم الموضوع.
كما تكتسي المسؤولية عن الخطأ القضائي أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها بمبدأ مسؤولية الدولة عن أداء مرفق العدالة. فقد أقر الفصل 122 من الدستور حق المتضررين من الأخطاء القضائية في الحصول على التعويض وفق الشروط والكيفيات التي يحددها القانون. ويطرح هذا المبدأ، من الناحية العملية، إشكالات تتعلق بتحديد طبيعة الخطأ القضائي وشروط قيام المسؤولية والجهة القضائية المختصة بالنظر في دعاوى التعويض، وهي مسائل تحتاج إلى ضبط تشريعي واجتهادي يحقق التوازن بين حماية المتقاضي وصيانة استقلال القضاء.
وفي هذا السياق، يظل التمييز بين الخطأ المهني والخطأ القضائي ومسؤولية المرفق القضائي أمراً ضرورياً. فالمساءلة التأديبية للقاضي ترتبط بالإخلال بالواجبات المهنية والسلوكية، بينما لا ينبغي أن تتحول المسؤولية عن الخطأ القضائي إلى وسيلة للتدخل في استقلال القاضي أو التأثير في اجتهاده. وفي المقابل، فإن حماية القاضي من الضغوط لا يمكن أن تعني إعفاء مرفق العدالة من المسؤولية تجاه المتضررين، وهو ما يفرض إقامة توازن دقيق بين استقلال القضاء وحق المتقاضي في الحماية والتعويض.
وتتجاوز ضمانات العدالة النصوص المتعلقة بالاستقلال والطعن والتعويض إلى شروط الولوج الفعلي إلى القضاء. فارتفاع تكاليف بعض المنازعات، وأتعاب الدفاع والخبرة، وتعقيد الإجراءات، وطول آجال البت، وصعوبة استيعاب المساطر بالنسبة لغير المتخصصين، كلها عوامل يمكن أن تحد من الفعالية العملية للحق في التقاضي، حتى مع وجود الاعتراف القانوني بهذا الحق. ومن ثم، فإن تقييم العدالة ينبغي أن ينطلق من واقع المتقاضي وإمكاناته الفعلية في استعمال الآليات القضائية، وليس من النصوص وحدها.
وتبرز الرقمنة، في هذا الإطار، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحديث العدالة. فقد خصص قانون المسطرة المدنية الجديد القسم الحادي عشر للمساطر والإجراءات الإلكترونية، ونظم النظام المعلوماتي لتدبير المساطر والإجراءات أمام المحاكم، بما يفتح المجال أمام تقليص آجال المعالجة، وتسهيل تداول الوثائق والمعطيات، وتحسين تتبع الملفات، والحد من بعض التعقيدات المرتبطة بالتدبير الورقي. غير أن الرقمنة تظل وسيلة لتحقيق النجاعة القضائية، وقيمتها تقاس بقدرتها على تبسيط الإجراءات وتحسين الخدمة القضائية وتقريب العدالة من المرتفق.
وفي المحصلة، فإن التنظيم القضائي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المحاكم أو توزيع الاختصاصات أو تعدد البنيات والدرجات، وإنما بمدى احترامه للحقوق الإجرائية والموضوعية للمتقاضي. فالقضاء المستقل يحتاج إلى متقاضٍ قادر على الولوج إليه، والحكم العادل يحتاج إلى مسطرة منصفة، وحق الطعن يحتاج إلى إجراءات واضحة، والتعويض عن الخطأ القضائي يحتاج إلى آلية قانونية فعالة، والرقمنة تحتاج إلى خدمة قضائية تجعل التكنولوجيا أداة للنجاعة لا مجرد تحديث تقني.
وعليه، فإن مركز المتقاضي داخل المنظومة القضائية ينبغي أن يظل معياراً أساسياً لقياس جودة العدالة ونجاعة التنظيم القضائي. فالمقصود من استقلال القضاء وحسن سير المحاكم وتعدد درجات التقاضي وضمان حقوق الدفاع وتطوير المساطر والانتقال الرقمي، في نهاية المطاف، هو توفير حماية قضائية فعالة وقابلة للولوج، وتمكين صاحب الحق من عرض دعواه وفق شروط قانونية عادلة، والحصول على قرار قضائي معلل وقابل للمراجعة وفق القانون، مع ترتيب المسؤولية والتعويض متى ثبت الخطأ وتوافرت شروطه. ومن ثم، فإن المتقاضي لا ينبغي أن يظهر في النصوص باعتباره مجرد طرف في الخصومة، وإنما باعتباره أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها فعالية العدالة ومشروعية أدائها وجودة مرفق القضاء.

