صالح داهي – العيون
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تتسارع التحركات الحزبية وتتصاعد حسابات التحالفات والترشيحات، بينما يراقب المواطن المغربي هذا المشهد من زاوية مختلفة تماماً: ماذا ستغير الانتخابات في حياته اليومية؟
فخلف ضجيج الاستقطاب السياسي، وصراع الأسماء، وحسابات المقاعد، توجد قضايا أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الأسر المغربية؛ في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة، والبحث عن فرص الشغل، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، وضمان عدالة اجتماعية يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
بالنسبة إلى المواطن، لا تُقاس السياسة بعدد المؤتمرات واللقاءات، ولا بعدد الوجوه التي تظهر في الحملات الانتخابية، وإنما بقدرتها على الإجابة عن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: هل يستطيع الدخل الشهري مواجهة تكاليف المعيشة؟ هل يجد الشاب فرصة عمل؟ هل يحصل المريض على العلاج في ظروف لائقة؟ وهل تضمن المدرسة العمومية لأبناء المغاربة تكافؤ الفرص؟
هذه الأسئلة تبدو أكثر حضوراً في الحياة اليومية من النقاشات الحزبية التي تنشغل أحياناً بالأسماء والمواقع والتحالفات أكثر مما تنشغل بالبرامج والسياسات العمومية.
تبقى القدرة الشرائية في مقدمة الملفات التي ستفرض نفسها على الخطاب الانتخابي. فارتفاع تكاليف عدد من المواد والخدمات جعل تدبير ميزانية الأسرة تحدياً يومياً، خصوصاً بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل. ولذلك، ينتظر المواطن من الأحزاب تقديم حلول واضحة وقابلة للتنفيذ، تتعلق بضبط الأسواق وتعزيز المنافسة ومحاربة المضاربة والاحتكار، إلى جانب حماية الفئات المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالمواطن لا يريد أرقاماً في البرامج الانتخابية، بل يريد أن يشعر بأن دخله يكفيه إلى نهاية الشهر.
وإذا كان الغلاء يضغط على الحاضر، فإن البطالة وغياب فرص الشغل يضغطان على المستقبل.
الشباب المغربي لا يبحث فقط عن وعود بمناصب شغل، وإنما عن اقتصاد قادر على إنتاج وظائف مستقرة، وأجور محترمة، ومسارات مهنية واضحة. وهو ما يجعل التشغيل أحد أهم الاختبارات التي ستواجه الأحزاب والمرشحين في الاستحقاقات المقبلة. فالاستثمار الحقيقي في الشباب لا يكون بالشعارات، وإنما بخلق بيئة اقتصادية قادرة على تحويل الكفاءات والطموحات إلى فرص حقيقية.
في المقابل، تظل الصحة والتعليم من أكثر الملفات حساسية، لأنهما يرتبطان مباشرة بكرامة المواطن ومستقبل أسرته. المغربي يريد مستشفى عمومياً يجد فيه العلاج في الوقت المناسب، ومدرسة عمومية تمنح أبناءه تعليماً جيداً، وخدمات إدارية واجتماعية أكثر سرعة وفعالية. وهنا تحديداً ستظهر قيمة البرامج الانتخابية: هل ستقدم حلولاً عملية قابلة للقياس، أم ستظل مجرد وعود موسمية تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية؟ الانتخابات ليست فقط موعداً للتصويت، بل لحظة لتقييم علاقة المواطن بالمنتخب وبالحزب وبالمؤسسة. ومن هنا، فإن ظاهرة تغيير الانتماءات الحزبية والترحال السياسي تفرض سؤالاً مشروعاً حول مدى ثبات القناعات والبرامج، وحول ما إذا كان الانتقال بين الأحزاب يعكس تحولاً في المواقف السياسية أم مجرد بحث عن فرص انتخابية أفضل. المواطن يريد منتخباً يعرف لماذا ترشح، وماذا وعد، وماذا أنجز، وماذا فشل في تحقيقه. أي أنه يريد سياسة قابلة للمحاسبة، لا سياسة قابلة للنسيان. قد يكون أكبر تحدٍ أمام انتخابات 2026 هو استعادة الثقة في العمل السياسي. وهذه الثقة لن تُبنى فقط من خلال الحملات الانتخابية، وإنما من خلال المصداقية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمواطن أصبح أكثر قدرة على المقارنة بين الوعود والنتائج، وأكثر اهتماماً بمعرفة ما تحقق فعلياً على الأرض. ولهذا، فإن الحزب الذي سيخوض الانتخابات بمنطق الأسماء فقط قد يربح مقاعد، لكنه لن يضمن بالضرورة ثقة المواطن. أما الحزب الذي يقدم برنامجاً واضحاً، ويحدد أولوياته، ويقدم حلولاً قابلة للقياس، ويقبل بالمحاسبة، فهو الأقرب إلى إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة عمومية.
مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، سيكثر الحديث عن من سيتصدر، ومن سيتراجع، ومن سيغير الحزب، ومن سيحصل على المقعد. لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى في صدارة النقاش هو: ماذا بعد الفوز؟
فالمواطن المغربي لا يحتاج فقط إلى نائب أو مستشار جماعي أو منتخب يحمل صوته إلى المؤسسات، بل يحتاج إلى من يدافع عن مصالحه ويترجم انتظاراته إلى قرارات وسياسات.
وفي النهاية، تختصر أولويات المواطن في مطالب تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة: دخل يحفظ الكرامة، أسعار معقولة، فرصة عمل، صحة جيدة، تعليم يضمن المستقبل، وخدمات عمومية تحترم المواطن. لذلك، فإن المعركة الحقيقية في انتخابات 2026 لن تكون فقط بين الأحزاب والمرشحين، وإنما بين سياسة تكتفي بالوصول إلى السلطة، وسياسة تجعل من خدمة المواطن غايتها الأولى.
وعندما يُفتح صندوق الاقتراع، لن يصوت المواطن فقط على اسم أو رمز انتخابي؛ بل سيصوت، في نهاية المطاف، على صورة المستقبل الذي يريد أن يراه لنفسه ولأسرته ولبلده.

