– الحسيمة
لم يكن يوم الرابع والعشرين من فبراير مجرد تاريخ عابر في مفكرة سكان إقليم الحسيمة، بل هو جرح غائر في ذاكرة الريف، يعود كل سنة ليذكر بليلة شتاء قاسية من سنة 2004، حينما اهتزت الأرض بعنف مخلفة وراءها مئات القتلى وآلاف الجرحى والمشردين. واليوم، وبينما يحيي الإقليم الذكرى الثانية والعشرين لتلك الفاجعة، تأبى الأرض إلا أن تبعث برسائل “تذكيرية” عبر هزة أرضية جديدة أعادت إلى الأذهان تلك المشاهد المأساوية.
في وقت كان فيه السكان يستحضرون ذكريات الأليم، سجلت المراصد الجيوفيزيائية هزة أرضية بلغت قوتها 3.2 درجة على سلم ريشتر. وبحسب المعطيات الميدانية، فقد حدد مركز هذه الهزة بنواحي جماعة بني عبد الله التابعة لإقليم الحسيمة.
ورغم أن القوة المسجلة تصنف ضمن الهزات “الخفيفة ” التي لا تشكل عادة خطراً على البنى التحتية، إلا أن وقعها النفسي كان ثقيلاً. فقد خرج عدد من المواطنين للتعبير عن قلقهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين إحساسهم بالاهتزاز داخل المنازل، في مدينة الحسيمة ، وكذلك في الدواوير القريبة من المركز الهزة ، مما فرض حالة من الترقب والحذر المعتاد في منطقة تعد من أكثر المناطق نشاطاً زلزالياً في حوض البحر الأبيض المتوسط.
تأتي هذه الهزة لتعيد فتح ملف “فاجعة 2004” التي بلغت قوتها آنذاك 6.3 درجة، وتركزت في جماعة “آيت قمرة”. تلك الكارثة التي لم تكتفِ بهدم البيوت الطينية فوق رؤوس أصحابها، بل غيرت الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للمنطقة.حقائق من ذاكرة الفاجعة:الخسائر البشرية: أزيد من 600 شهيد ومئات الجرحى.الدمار: انهيار العديد من المنازل، خاصة في المناطق القروية الوعرة. اما التحول العمراني: كانت الفاجعة نقطة انطلاق لبرامج إعادة الإعمار وتشييد أقطاب حضرية جديدة، لكن التحدي ظل قائماً في مدى مقاومة البناءات القديمة للنشاط الزلزالي المستمر.
يرى الخبراء في علم الزلازل أن إقليم الحسيمة يقع في منطقة تلاقي الصفائح التكتونية (الأفريقية والأوراسية)، مما يجعل تسجيل هزات خفيفة أمراً “اعتيادياً” من الناحية العلمية، ولكنه يفرض على السلطات والمجتمع المدني استمرارية العمل على ثقافة “الوقاية والتدبير”.
فالهزات الارتدادية التي تكررت في سنوات 2016 و2021، وصولاً إلى هزة اليوم، تؤكد أن المنطقة تعيش فوق “نشاط زلزالي متقطع” يتطلب يقظة تقنية دائمة من طرف المعهد الوطني للجيوفيزياء، وتوعية مستمرة للسكان بكيفية التعامل مع اللحظات الأولى للاهتزاز.
بين ذكرى أليمة لزلزال مدمر، وواقع جيولوجي يفرض نفسه بهزات متواترة، تبقى الحسيمة نموذجاً للصمود. إلا أن السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم: هل نجحت برامج التنمية وإعادة الإعمار في جعل الإقليم “محصناً” بما يكفي لمواجهة غضب الطبيعة؟
إن الهزة الأخيرة، وإن كانت بسيطة في درجتها، فهي بمثابة جرس إنذار صامت، يذكر الجميع بأن الذاكرة والوقاية هما خط الدفاع الأول أمام مفاجآت باطن الأرض.

